موقع اليمن الجغرافي | بقلم حسن المجيدي
موقع اليمن الجغرافي | بقلم حسن المجيدي
“هناك أوطان تقع في زوايا الأرض، وهناك أوطان تقع في قلبها… اليمن هو القلب المنسي.
على خارطة العالم، حين تنظر جنوب الجزيرة العربية،
تجدك تحدق في نقطة ذهبية تلمع في البحر، عند التقاء القارات الثلاث،
تلك النقطة ليست مجرد مساحة جغرافية… إنها اليمن.
تخيل وطنًا يطل على أهم ممر مائي في العالم،
حيث تمر فيه أكثر من 12% من تجارة العالم،
وتُطل موانئه على بحر العرب، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي…
ثم اسأل نفسك:
كيف لو كانت هذه الأرض في يد سنغافورة؟
أو في يد كوريا الجنوبية؟
أو حتى في يد شركة استثمار عالمية؟
لكنها لم تكن في يد دولة،
كانت في يد نزاعات…
وكانت في قبضة مصالح خارجية تتنافس على خنقها لا تحريرها.
باب المندب، ذلك المضيق الذي يشبه عنق زجاجة تمر عبره ناقلات العالم،
يملكه اليمن جغرافيًا، لكنه لا يستفيد منه إلا في الأخبار والخرائط.
وفي الشرق، تفتح اليمن ذراعيها للمحيط الهندي،
وفي الغرب تقف على بوابة البحر الأحمر،
بينهما تسبح آلاف الفرص، تغرق واحدة تلو الأخرى في بحر من الإهمال والصراعات.
لو وُظّف موقع اليمن كما يجب،
لكانت عدن مثل دبي،
ولكانت الحديدة مثل جدة،
ولكان اليمن كله بوابة الخليج إلى العالم، لا مجرد ساحة لحروب الآخرين.
لكن الخريطة كانت نائمة،
والفرص تتسرب مثل الرمل من بين الأصابع.
⸻
🟡في هذا الفصل، سنستعرض:
• أين يقع اليمن فعلًا؟ ولماذا هو بهذه الأهمية الجغرافية؟
• ما هو حجم التجارة العالمية التي تمر بجواره دون أن يحصل على شيء؟
• كيف غُيبت هذه الميزة الجغرافية عن أن تكون نقطة انطلاق نحو التنمية؟
• وهل لا يزال بالإمكان إعادة اليمن إلى مكانته الطبيعية على خريطة العالم
أين يقع اليمن فعلًا؟ ولماذا هو بهذه الأهمية الجغرافية؟
اليمن لا يقع في الهامش، بل في القلب…
إنه بوابة الجزيرة العربية إلى العالم، ومفتاح آسيا إلى إفريقيا، ونافذة الخليج على البحر الأحمر والمحيط الهندي.
يتربع اليمن على مضيق باب المندب، واحد من أهم المضائق البحرية على وجه الأرض، حيث يمر عبره يوميًا ما لا يقل عن 5 ملايين برميل من النفط، إلى جانب بضائع وسفن حاويات تمثل أكثر من 12% من التجارة العالمية.
وليس اليمن جزيرة محاصرة، بل يمتلك شريطًا ساحليًا بطول يفوق 2500 كم، يمتد من البحر الأحمر غربًا إلى بحر العرب والمحيط الهندي جنوبًا وشرقًا. هذا الامتداد لا تملكه أي دولة عربية أخرى، ومع ذلك، فهو لم يُستثمر بعد كقوة ناعمة ولا كرافعة اقتصادية.
اليمن، جغرافيًا، وُلد ليكون محورًا… لا تابعًا.
⸻
ما هو حجم التجارة العالمية التي تمر بجواره دون أن يحصل على شيء؟
تمر قبالة سواحله آلاف السفن كل شهر، محمّلة بالبضائع والنفط، متجهة من آسيا إلى أوروبا والعكس.
يُقدّر أن أكثر من 30 مليار دولار من السلع تمر سنويًا عبر باب المندب، دون أن يدخل إلى خزينة اليمن من هذا الممر سوى القليل، إن لم يكن اللاشيء.
في حين تجني دول مثل مصر من قناة السويس مليارات الدولارات سنويًا،
وتجني دبي من ميناء جبل علي أكثر من 5 مليارات دولار سنويًا،
يُترك اليمن متفرجًا، كمن يقف على بوابة الكنز وهو لا يملك مفتاحه.
⸻
كيف غُيبت هذه الميزة الجغرافية عن أن تكون نقطة انطلاق نحو التنمية؟
تم تهميش الموقع الاستراتيجي لليمن عمدًا، عبر مسارين:
1. داخليًا: بسبب غياب الرؤية الاقتصادية، وتسييس الثروات، وتحويل الجغرافيا إلى ساحات صراع لا ساحات بناء.
2. تراكمات الإهمال: لعقود طويلة، لم تُبْنَ سكك حديد، ولا موانئ عالمية، ولا مناطق حرة تُدار باستقلال واحتراف.
كانت الخريطة تصرخ: “افتحوني!”
لكن الجواب كان مزيدًا من الصمت والحصار والتهميش.
⸻
هل لا يزال بالإمكان إعادة اليمن إلى مكانته الطبيعية على خريطة العالم؟
الجواب: نعم، ولكن…
نعم، لأن الموقع ما زال هناك، لا تستطيع الجغرافيا أن تُغتال.
نعم، لأن البحر ما زال غنيًا، والمضيق ما زال ينبض بالحركة.
نعم، لأن الشعوب يمكن أن تنهض من الرماد إذا وُجدت الإرادة.
لكنّ ذلك لن يتحقق دون أن يُعاد الاعتبار لليمن كدولة ذات سيادة،
ودون أن يُمنح الإنسان اليمني فرصة بناء وطنه دون وصاية ولا فساد،
ودون أن تُدار الجغرافيا بالعقل والنية والنزاهة.
وحده اليمن ووحدهم اليمنيون قادرون أن يعودوا إلى قلب الخريطة،
لكن عليهم أولًا أن يؤمنوا بأنهم يستحقون ذلك



تعليقات
إرسال تعليق